برشلونة… من عمارة النجوم إلى المجتمع
حين تغيّرت أسئلة العمارة
المعماري الياس خوري
على مدى عقود، ارتبطت العمارة العالمية بأسماء لامعة وبمبانٍ استثنائية تحولت إلى أيقونات بحد ذاتها. كان «المعماري النجم» هو بطل المشهد، وكانت قيمة المشروع تُقاس بفرادته الشكلية وقدرته على جذب الأنظار. لكن هذا النموذج بدأ يتراجع تدريجياً، وجاء المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي للمعماريين(UIA 2026) في برشلونة ليؤكد أن العمارة العالمية تدخل اليوم مرحلة جديدة، لا تتغير فيها المباني فحسب، بل تتغير فيها الأسئلة التي تطرحها العمارة على نفسها.
ليست أهمية برشلونة في أنها استضافت المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي للمعماريين للمرة الثانية في تاريخها، بل في أنها تكشف، بعد ثلاثين عاماً، كيف تغيّرت العمارة نفسها.
فعندما اجتمع المعماريون في برشلونة عام 1996، كانت المدينة تمثل نموذجاً عالمياً للتحول الحضري. بعد الألعاب الأولمبية، أصبحت مثالاً لمدينة استطاعت أن تستعيد البحر، وتعيد تنظيم فضاءاتها العامة، وتقدم نموذجاً جديداً للعلاقة بين العمارة والمدينة. في تلك المرحلة، كانت أسماء مثل نورمان فوستر، وبيتر آيزنمان، وفرانك غيري، ودانيال ليبسكيند، تمثل جيلاً أصبحت أعماله رمزاً لعصر كامل. كان المبنى الأيقوني هو لغة العمارة، وكان المعماري يتحول، شيئاً فشيئاً، إلى نجم.
لكن الزمن لا يغيّر المدن فقط، بل يغيّر أيضاً الأسئلة التي تطرحها العمارة على نفسها.
خلال العقود الثلاثة الماضية، واجه العالم أزمات متلاحقة؛ أزمة المناخ، وأزمة السكن، واستنزاف الموارد، واتساع الفجوة الاجتماعية. ومعها بدأ السؤال المعماري يتغير. لم يعد السؤال: كيف نصمم مبنى أكثر تميزاً؟ بل: كيف يمكن للعمارة أن تجعل المدن أكثر عدلاً، وأكثر قدرة على الحياة؟
لهذا جاءت عودة المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي للمعماريين إلى برشلونة عام 2026 محمّلة بدلالة تتجاوز الحدث نفسه.
فهذا المؤتمر، الذي يُعقد مرة كل ثلاث سنوات منذ عام 1948، يُعد أحد أهم اللقاءات المعمارية في العالم. وفي هذه الدورة اجتمع ما يقارب عشرة آلاف مشارك من أكثر من مئة وثلاثين دولة، ضمن أكثر من مئة جلسة شارك فيها نحو مئتين وخمسين متحدثاً. لكن قيمة المؤتمر لم تكن في حجمه، بل في نوعية الأسئلة التي طُرحت فيه.
كان واضحاً أن النقاش لم يعد يدور حول إنتاج المباني الاستثنائية، بل حول دور العمارة في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم. لم تعد البطولة للمبنى الأكثر حضوراً في الصورة، بل للمشاريع القادرة على تحسين الحياة اليومية، وإعادة استخدام الموارد، وتعزيز العلاقة بين الإنسان وبيئته.
ولم يكن اختيار المداخن الثلاث (Tres Xemeneies) مكاناً للنقاشات المفتوحة أمراً عابراً. فبدلاً من العودة إلى قلب المدينة، اختار المؤتمر محطة كهرباء مهجورة، أنقذها سكان المنطقة من الهدم، ويجري العمل اليوم على تحويلها إلى مركز ثقافي وإعلامي. وكأن المكان نفسه يختصر الفكرة الأساسية للمؤتمر: المستقبل لا يبدأ دائماً من بناء جديد، بل كثيراً ما يبدأ من إعادة اكتشاف ما هو قائم، ومنحه معنى وحياة جديدين.
وربما لهذا السبب برزت خلال المؤتمر عبارة لخصت التحول الذي تعيشه المهنة اليوم:
«العمارة هي خدمة.»
وهي عبارة تبدو بسيطة، لكنها تعكس تحولاً عميقاً. فالعمارة لم تعد تُقاس بقدرتها على إنتاج الرموز، بل بقدرتها على خدمة المجتمع، وتحسين جودة الحياة، وتقليل الأثر البيئي، وخلق فضاءات أكثر إنصافاً وشمولاً. ولم يعد المعماري هو صاحب الرؤية المنفردة، بل أصبح جزءاً من عملية جماعية تشارك فيها تخصصات متعددة، إلى جانب المجتمعات التي تُبنى المدن من أجلها.
ربما لهذا لم يكن أهم ما شهده مؤتمر برشلونة هو عدد المشاركين أو أسماء المتحدثين، بل الإحساس بأن العمارة دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة تنتقل فيها من الاحتفاء بالصورة إلى الاهتمام بالأثر، ومن المبنى بوصفه غاية بحد ذاته إلى المدينة بوصفها المشروع الحقيقي.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً خارج برشلونة أيضاً.
إذا كانت أوروبا تعيد اليوم مراجعة مرحلة «عمارة النجوم»، فأين يقف المشهد المعماري العربي من هذا التحول؟
في العالم العربي، ما زلنا في كثير من الأحيان نقيس نجاح العمارة بفرادتها الشكلية أو بشهرة المعماري. بينما تواجه مدننا اليوم بعضاً من أكثر قضايا عصرنا إلحاحاً: الحروب، وإعادة الإعمار، وأزمة السكن، والتحولات المناخية، وندرة الموارد، وفقدان التراث، واتساع الفجوات الاجتماعية. وهي نفسها القضايا التي أصبحت اليوم في صميم النقاش المعماري العالمي.
هنا تكمن المفارقة؛ فنحن نعيش هذه التحديات يومياً، لكننا نادراً ما نحولها إلى خطاب معماري قادر على الإسهام في النقاش العالمي.
ولعل السؤال الحقيقي لم يعد: كيف ندخل هذا النقاش؟ بل: كيف نشارك في إعادة صياغته؟ فلا ينبغي أن تُنظر إلى المدن العربية باعتبارها مجرد ساحات للأزمات أو حالات للدراسة، بل بوصفها مختبرات حية يمكن أن تقدم للعالم رؤى جديدة حول السكن، والذاكرة، وإعادة الإعمار، والعلاقة بين العمارة والمجتمع.
ومع ذلك، يذكّرنا التاريخ أيضاً بأن كل جيل يعتقد أنه وجد الإجابة الصحيحة.
وكما ننظر اليوم إلى مؤتمر برشلونة عام 1996 بوصفه تعبيراً عن مرحلة كاملة في تاريخ العمارة، سيأتي جيل آخر بعد ثلاثين عاماً لينظر إلى مؤتمر برشلونة 2026 بالطريقة نفسها.
فهل سيعتبره بداية تحول حقيقي؟ أم سيرى فيه بدوره حدود هذا العصر وأسئلته وأوهامه؟
ربما لا تكمن أهمية المؤتمرات الكبرى في الأجوبة التي تقدمها، بل في الأسئلة التي تجرؤ على طرحها. وربما يبدأ التحول الحقيقي عندما نتوقف عن الاكتفاء بمتابعة الأسئلة التي تُطرح في أماكن أخرى، ونبدأ بإنتاج أسئلتنا نحن، انطلاقاً من مدننا وتجاربنا وتعقيد واقعنا. عندها فقط لن نكون على هامش النقاش العالمي، بل سنصبح أحد الأصوات التي تسهم في تشكيله.

